أحمد بن محمد المقري التلمساني

225

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبّه * وبكحله الأحياء والبصراء فإذا مررت رأيت من عميانه * أمما على أمواته قرّاء فاستعادني حتى عجبت منه ، مع ما أعرف من عدم ميله إلى الشعر ، وانفعاله له ، وظننت أنه أعجب بما تضمّنه البيت الأول من غريب اللفّ والنشر المكرّر الذي لا أعرف له ثانيا فيه ، فقال : أظننت أني استحسنت الشعر ؟ فقلت : مثلك يستحسن مثل هذا الشعر ، فقال : إنما تعرفت منه كون العميان كانوا في ذلك الزمان يقرءون على المقابر ، فإنني كنت أرى ذلك حديث العهد ، فاستفدت التاريخ . وقال مولاي الجدّ ، رحمه اللّه تعالى « 1 » : حدثني الأبلي أنّ أبا عبد اللّه محمد بن عبد الرحيم بن أبي العيش الخزرجي الخطيب بتلمسان كان يقول في خطبته : من يطع اللّه ورسوله فقد رشد بالكسر ، وكان الطلبة ينكرون عليه ذلك ، فلمّا ورد عليهم الرواية الرحلة أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن رشيد الفهري سمعه يقول ذلك ، فأنكر عليه في جملتهم ، وبلغ الخطيب ذلك ، فلم يرجع ، فلمّا قفل ابن رشيد من وجهته تلك دخل على الأستاذ أبي الحسن بن أبي الربيع بسبتة ، فهنّأه بالقدوم ، وقال له فيما قال : رشدت - يا ابن رشيد - ورشدت لغتان صحيحتان ، حكاهما يعقوب في « الإصلاح » ، ثم قال مولاي الجدّ : قلت : هذه كرامة للرجلين أو للثلاثة . وقال رحمه اللّه تعالى : قال طالب لشيخنا الأبلي يوما : مفهوم اللقب صحيح ؟ فقال له الشيخ : قل زيد موجود ، فقال : زيد موجود ، فقال له الشيخ : أما أنا فلا أقول شيئا ، فعرف الطالب ما وقع فيه ، فخجل . وهذا الأبلي تقدّم في كلام مولاي الجدّ ، رحمه اللّه تعالى ، أنه عالم الدنيا ، وهو تلمساني كما تقدّم ، قال تلميذه أبو القاسم السلوي الفخار : دخل عليّ شيخنا الأبلي يوما ، وأنا أعجن طين الفخارة ، فقال لي : ما علامة قبول هذه المادة أكمل صورة ترد عليها ؟ فقلت : أن تدفع عن نفسها ما هو من غير جنسها من حجر أو زبل أو غيره ، فأدركه وجد عظيم ، حتى أنه صاح وقام وقعد ، وبقي هنيّة « 2 » مطرقا برأسه مفكرا ، ثم قال : هكذا هي النفوس البشرية . قال : وقال لي يوما ، وقد وجد الصبيان يصوّتون « 3 » بقضب رقاق على الذباب فإذا خرج قتلوه : الغلط الداخل عليه من أي أنواع المغلطات هو ؟ فقلت له : من إيهام العكس ، لما كان

--> ( 1 ) انظر نيل الابتهاج ص 252 . ( 2 ) هنية : تصغير هنة ، وهي هنا الزمن اليسير . ومثلها هنيهة . ( 3 ) يصوّتون : يحدثون أصواتا . وفي ب « يصوتون بقصب » .